الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
34
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عطف بعض أحوالهم على بعض . انتقل إلى ذكره بمناسبة الإشارة إلى تحقيق رجائهم في ربهم حين قال بعضهم لبعض يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً [ الكهف : 16 ] . وهذا حال عظيم وهو ما هيأ اللّه لهم في أمرهم من مرفق ، وأن ذلك جزاؤهم على اهتدائهم وهو من لطف اللّه بهم . والخطاب لغير معين . والمعنى : يرى من تمكنه الرؤية . وهذا كثير في الاستعمال ، ومنه قول النابغة : ترى عافيات الطير قد وثقت لها * بشبع من السخل العتاق الأكائل وقد أوجز من الخبر أنهم لما قال بعضهم لبعض فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ [ الكهف : 16 ] أنهم أووا إليه . والتقدير : فأخذوا بنصيحته فأووا إلى الكهف . ودل عليه قوله في صدر القصة إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ [ الكهف : 10 ] فرد عجز الكلام على صدره . و تَزاوَرُ مضارع مشتق من الزور - بفتح الزاي - ، وهو الميل . وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر - بفتح التاء وتشديد الزاي بعدها ألف وفتح الواو - . وأصله : تتزاور - بتاءين أدغمت تاء التفاعل في الزاي تخفيفا - . وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وخلف - بتخفيف الزاي - على حذف إحدى التاءين وهي تاء المضارعة للتخفيف اجتزاء برفع الفعل الدال على المضارعة - . وقرأه ابن عامر ويعقوب تزور - بفتح التاء بعدها زاي ساكنة وبفتح الواو وتشديد الراء - بوزن تحمرّ . وكلها أبنية مشتقة من الزور بالتحريك ، وهو الميل عن المكان ، قال عنترة : فازورّ من وقع القنا بلبانه أي مال بعض بدنه إلى بعض وانقبض . والإتيان بفعل المضارعة للدلالة على تكرر ذلك كل يوم . و تَقْرِضُهُمْ أي تنصرف عنهم . وأصل القرض القطع ، أي أنها لا تطلع في كهفهم . و ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ بمعنى صاحبة ، وهي صفة لمحذوف يدل عليه الكلام ، أي الجهة صاحبة اليمين . وتقدم الكلام على ذاتَ عند قوله تعالى : وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ في سورة الأنفال [ 1 ] .